عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
182
اللباب في علوم الكتاب
وقيل : أعلم أنّه يعاقبكم في الآخرة عذابا شديدا ، خارجا عمّا تتصوّرة عقولكم . وقيل : أعلم من توحيد اللّه وصفات جلاله ما لا تعلمون . والمقصود من ذكر هذا الكلام : حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم . واعلم أنّ نوحا - عليه الصلاة والسلام - أزال تعجبهم وقال : إنّه تعالى خالق الخلق ، فله بحكم الإلهية أن يأمر عبيده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها ، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التّكاليف من غير واسطة ؛ لأنّ ذلك ينتهي إلى حدّ الإلجاء ، وهو ينافي التّكليف ، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول من الملائكة ، لما تقدّم في « الأنعام » في قوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [ الأنعام : 9 ] ، فلم يبق إلا أن إيصال التّكاليف إلى الخلق بواسطة إنسان يبلغهم ، وينذرهم ويحذرهم ، وهذا جواب شبههم « 1 » . قوله : « أَ وَعَجِبْتُمْ » ألف استفهام دخلت على واو العطف ، وقد تقدّم الخلاف في هذه الهمزة السّابقة على الواو ، وقدّر الزمخشري على قاعدته معطوفا عليه محذوفا تقديره : أكذّبتم وعجبتم « أَنْ جاءَكُمْ » أي : من أن جاءكم ، فلما حذف الحرف جرى الخلاف المشهور . « مِنْ رَبِّكُمْ » صفة ل « ذكر » . « على رجل » : قال ابن قتيبة : « [ قال الفرّاء ] « 2 » : يجوز أن تكون على حذف مضاف ، أي : على لسان رجل » . وقيل : على بمعنى « مع » ، أي : مع رجل فلا حذف . وقيل : لا حاجة إلى حذف ، ولا إلى تضمين حرف ؛ لأنّ المعنى أنزل إليكم ذكر على رجل ، وهذا أولى ؛ لأنّ التّضمين في الأفعال أحسن منه في الحروف لقوّتها وضعف الحروف . فصل في معنى « الذكر » قال ابن عبّاس : الذّكر الموعظة « 3 » . وقال الحسن : إنه الوحي الّذي جاءهم به « 4 » . وقيل : المراد بالذّكر المعجز . وقيل : بيان « عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ » أي تعرفون نسبه ، فهو منكم نسبا . « لينذركم » أي : لأجل أن ينذركم عذاب اللّه . « وَلِتَتَّقُوا » أي : لكي تتّقوا . « وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » أي : لكي تتّقوا . « وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » أي : لكي ترحموا .
--> ( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 14 / 124 . ( 2 ) سقط من أ . ( 3 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 169 ) . ( 4 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 14 / 124 ) .